منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(7) الحكاية وسلطة العامل | الحكاية النحوية وسؤال الإعمال

(7) الحكاية وسلطة العامل | الحكاية النحوية وسؤال الإعمال/ لخضر حيدة

0

(7) الحكاية وسلطة العامل | الحكاية النحوية وسؤال الإعمال

لخضر حيدة

(1) الحكاية النحوية وسؤال الإعمال

(2) أقسام الحكاية| الحكاية النحوية وسؤال الإعمال 

(3) الحكاية النحوية وسؤال الإعمال | أحكــام الحكـــاية (حكاية النكرات) 

(4 ) أحكــام الحكـــاية (أحكام المعارف) | الحكاية النحوية وسؤال الإعمال

(5)  أحكــام الحكـــاية (أحكام الجمل) | الحكاية النحوية وسؤال الإعمال

(6) الجملة في ميزان العامل | الحكاية النحوية وسؤال الإعمال

لقد تحدثنا في المبحث السابق عن تصور النحاة لبناء الجملة العربية، وكيفية تفسير العلاقات القائمة بين العناصر داخل التركيب. وقد تبين من خلال ذلك، أن النحاة اعتمدوا قضية العامل معيارا أساسيا لتفسير علاقات التركيب، وفك شفرات بناء الجملة العربية.

ولما تحدث النحاة عن العامل، فهم بذلك سعوا إلى بناء تصور عام، ونظرية محكمة تعرض عليها التراكيب اللغوية، وتخضع لسلطان العامل، فما وافق قواعد الإعمال فهو من صميم اللغة، وصحت نسبته إلى المتكلم العربي. وأما من وجد على غير ذلك، فهو مدفوع مردود على قائله، لا يعد من العربية في شيء.

لكن لما نعود إلى التراث النحوي، خاصة المطولات النحوية التنظيرية، نجد بابا  نحويا بعنوان “الحكاية“، ووجوده ضمن أبواب النحو، يبدو مبدئيا دخوله في تصور النحاة، المحكوم بنظرية العامل في تفسير العلاقات القائمة بين عناصر التركيب. لكن الذي يدعو إلى القلق ونحن نتابع هذه الظاهرة، هو رتبة هذا الباب مقارنة مع الأبواب النحوية الأخرى. فالنحاة جعلوا الحكاية في موضع يكاد يكون نهاية لما هو نحوي، والدخول إلى قضايا ذات صبغة صرفية. وهذا التموضع للحكاية ليس عبثا، وقرب الحكاية ببعض الأبواب مثل الحديث عن  التصغير، والتكسير، والإمالة، والإدغام، والخطاب، والألفات، يزيد من حيرة القارئ ويجعله يتساءل !  هل الحكاية فعلا باب  نحوي  ينضبط   لمقتضيات الإعمال ويخضع له؟ أم قرب الحكاية من هذه الأبواب، كان إشارة من النحاة إلى أمر مقصود لم يفصح عنه نظريا؟

ولتلمس وجه الصواب في هذا الأمر، كان حريا بنا العودة إلى باب الحكاية، فلعلنا نجد في أقوال النحاة ما نسترشد به في هذا الباب.

فلما تحدث سيبويه في باب الحكاية، قال🙁 قال الشاعر: وجدنا في كتاب بني تميم °° أحق الخيل بالركد المعارُ. وذلك لأنه حكى (أحق الخيل بالركد المعارُ) فكذلك هذه الضروب إذا كانت أسماء. وكل شيء عمل بعضه في بعض فهو على هذه الحال).[1]

وما يثير الانتباه في نص سيبويه، هو عبارة:(وكل شيء عمل بعضه في بعض فهو على هذه الحال). فهل قصد سيبويه بـ (عمل بعضه في بعض)، ذلك العمل النحوي  العام في عرف النحاة، الذي يسري على العناصر النحوية في تركيب معين، أم جعله مقتصرا على التركيب الحكائي فقط؟ يبدو من خلال العنوان الذي عقده سيبويه لهذا الباب، والمثال الوارد في النص، أن سيبويه أراد من العبارة السابقة، تركيب الحكاية فقط. وهذا القول سيجعل من الحكاية تركيبا مقفلا، قد عمل بعضه في بعض.

وليس سيبويه  وحده من قال بهذا، بل وجد من يشاطره الرأي في هذا التصور ويتابعه فيه. ومن ذلك ما ذكره المبرد، إذ يقول🙁 فما كان من ذلك فإعرابه في كل موضع أن يسلم على هيئة  واحدة لأنه قد عمل بعضه في بعض، فتقول: رأيت تأبط شرطا، وجاءني تأبط شرا… فلم يجز في هذا إلا الحكاية؛ لأنه لا يدخل عامل على عامل…).[2]

ويتضح من نص المبرد، أنه قد وافق سيبويه في تصوره، بأن تركيب الحكاية قد عمل بعضه في بعض. ولم يقف عند هذه العبارة فحسب، بل أضاف شيئا مهما في هذا الباب، وهو قوله🙁 لأنه لا يدخل عامل على عامل). وهذه إشارة مهمة من المبرد في هذا السياق كذلك.

وقد أشار بن حيدرة اليمني، إلى شيء من هذا وهو يتحدث عن حكم المركب في النحو، فقال🙁 المركب لا يخلو أن يكون من جملة قد عمل بعضها في بعض، أو من جملة لم يعمل بعضها في بعض، أو من اسم مع صوت. فإن كان من جملة قد عمل بعضها في بعض نحو: رجل سميته زيد قائم، أو تأبط شرا أو برق نحره. فهذا وما شبهه لا يجوز أن نثنيه على لفظه، لكن تجتلب له ذوا في الرفع، وذوي في النصب والجر، فتقول: جاءني ذوا زيد قائم، وذوا تأبط شرا).[3]

وإن كان قد تقرر من خلال نصي سيبويه والمبرد على أن التركيب الحكائي قد عمل بعضه في بعض، فإن القيمة المضافة في نص ابن حيدرة؛ هو أن التركيب الحكائي علاوة على عمل بعضه في بعض، لا يتجاوب كذلك مع قواعد الصرف ولا يخضع له. فقد اتضح من خلال النص السابق أن التركيب الحكائي لا يثنى أبدا، بل تجلب له قرائن تدل على ذلك. وهذا أمر يزيد من صلابة التركيب الحكائي، ويؤكد على  مدى صممه وعدم تجاوبه مع ما يخضع له غيره من التراكيب، وما تفرضه مقتضيات بناء الجملة العربية.

وقد وجدنا أيضا في كلام الرضي، وهو يتحدث عن معنى المركب وصور التركيب في النحو العربي، ما يشعرنا باستقلال الجمل المحكية، ويؤكد على خصوصيتها التركيبية، ويزيد من تمردها على العامل، إن وجدت ضمن تركيب معين. وذلك حين قال🙁 وأما الجملة فلا توصف قبل العلمية، لا بالإعراب ولا بالبناء، لأنهما من عوارض الكلمة لا الكلام، وأما بعد العلمية فهي محكية اللفظ على ما يجيء، فلا يطلق عليها أنها معربة في الظاهر في الظاهر أو مبنية، لاشتغال حرفها الأخير بالحركة التي كانت عليه، إعرابية أو بنائية، أو بالسكون الذي كان ذلك).[4]

وإذا كان الأمر على هذه الحال، فهل يبقى للعامل سلطان على الحكاية إن وجدت في تركيب معين وسبقها عامل ما؟

تؤكد النصوص السابقة على أن التركيب الحكائي، تركيب أصم قد عمل بعضه في بعض، وهذا يعني أنه لا يكون خاضعا لمقتضيات الإعمال لما يدخل في علاقة تركيبية مع غيره، فهو بناء مقفل متماسك البناء لا يتأثر بأي عامل بوجه من الوجوه مهما كانت قوته، وتمكنه في نفسه.

لكن هل كان عدم التجاوب في التركيب الحكائي مع مقتضيات الإعمال التي أخضعت لها  عناصر الجملة العربية، من باب الصدفة أو الترف في الفكر النحوي، أم كان وراء هذا الإقفال غرض وعلة؟

لما نتتبع أقوال النحاة، وهم يتحدثون عن ظاهرة الحكاية في الفكر النحوي، نجد بعض المصوغات لهذا الإقفال وعدم التجاوب الإعمالي في التركيب الحكائي.

فهذا الإقفال في التركيب المحكي، يعود إلى مجموعة من الأغراض والأسباب، كنا قد أشرنا إليها سابقا ولا بأس أن نعيد ذكرها في هذا السياق بشكل مفصل.

فأول ما يطالعنا منها هو علة التركيب، فالحكاية كما عرفنا من قبل؛ هي كلام الغير وليست ملك للمتكلم، فهو فقط  ناقل لهذا التركيب. لذلك وجب عليه أن يتحرى النقل دون تغيير، ولا يمس أو يخدش تماسك هذا التركيب المحكي بوجه من الوجوه، ولا يغير مجراه الإعرابي وفق ما يقتضيه قانون الإعمال في كلام المتحدث. فإنه بذلك سيعطي مشروعية اجتماع عاملين على هذا التركيب المحكي.

وهب أننا أخضعناه للعامل قبله، استجابة لبناء الجملة العربية، فإننا بذلك نكون قد خالفنا أصلا من أصول النحاة؛ مقتضاه عدم اجتماع عاملين على عامل واحد.

ولما أحس الشاعر بأنه سيهدم هذا الأصل، أنشد “أحق” بالرفع على الابتداء في قوله:

وجدنا في كتاب بني تميم °°° أحقُّ الخيل بالركد المعارُ

وقد أفصح المبرد وهو يتناول هذا البيت ما سكت عنه الشاعر، فقال🙁 فلم يجز في هذا إلا الحكاية لأنه لا يدخل عامل على عامل. فـ”أحق” رفع بالابتداء و”المعار” خبره. فهذه بمنزلة الفعل والفاعل).[5]

وقد يقول قائل، لم لا نخضع الحكاية للعامل في التركيب؟ فنحن بذلك لم نجردها من علامتها الأصلية لكوننا سنفسرها محليا أثناء الإعراب! فنقوله له كيف ستهتدي أولا بأن في التركيب حكاية ما؟ فحتى في حالة الاهتداء إلى الحكاية، فإن تفسيرك لها محليا فيه نوع من التمحل له محاذيره. فالمحل تصور موقعي في تفسير العلاقات التي تربط بين عناصر الجملة، بعيد عن تصور الحركة الإعرابية المدركة حسيا، والمعبرة على أثر العامل في معموله، هذه الحركة التي لم يدخر النحاة جهدا في تحصيلها بوجه من الوجوه.

وليس التركيب وحده مسوغا للقول بالحكاية في النحو، بل ينضاف إلى ذلك قضية المعنى في هذا الباب.

إن الحفاظ على شكل الحكاية وعدم إخضاعها لعامل جديد في تركيب ما، فيه حفظ للمعنى، لذلك لما تحدث النحاة عن الحكاية، قد ألحوا على عدم المساس بها بأي وجه من الوجوه. لذلك أكدوا على عدم جواز تثنية ما يقع محكيا، فإذا كان هذا يخص الصرف وهو متعلق ببنية العناصر المحكية، فما بالك بحركات المحكي.

ونحن نعلم أن الحركات الإعرابية، جيء بها للتفريق بين المعاني النحوية. وبذلك كان الحفاظ على العلامة أو الأثر الإعرابي في نظرنا، أولى من الحفاظ على البنية الصرفية. ومع ذلك منع النحاة المساس بالتركيب الحكائي وإن كان ذا طابع صرفي.

وفي هذا السياق يقول المبرد🙁 وجميع الحكايات إذا كانت أسماء لا تثنيها لئلا تنقص الحكاية وتزول دلائل المعاني).[6]

إضافة إلى أن آخر الكلمة( المعمول) لا تقوى على حمل أكثر من حركة إعرابية، بفعل اجتماع عاملين على معمول واحد. فإما أن تحتفظ الكلمة بحركة الحكاية الأصلية، أو تجرد منها وتخضع لمقتضيات الإعمال في التركيب الجديد. واعلم إن فعلت ذلك ضيعت المعنى، وقلت بما لم تقل به العرب.[7]

ويتضح من خلال تتبع ظاهرة الحكاية في كتب النحاة، أنها ظاهرة تتصف بالثبات، سواء على المستوى الصرفي، أو على مستوى المجرى الإعرابي.

ويمكن القول بأن مسألة الثبات هذه، قد تجاوزت ما هو ظاهر في البنية الصرفية، والحركة الإعرابية، إلى الإنباء عن تصور موقعي، يتحدد وفق خطية الجملة العربية وهندستها، وإن شئت قلت بنيتها التحتية التي تتحدد موقعيا.

كما يمكن القول بأن الحكاية، تعكس بعدا تداوليا في النحو العربي، إذ راعى النحاة وهم يتحدثون عن أقسام الحكاية وأحكامها، مجموعة من القرائن الدالة عليها، وأطراف الخطاب، وسياقات التخاطب. وهذا دليل على تفطن النحاة، إلى هذا النوع من التوسع في اللغة العربية، الذي يستعصي على القواعد المعيارية التي تخضع اللغة إلى مقتضيات الإعمال، لتحصيل أثر العوامل في المعمولات، وتفسير العلاقات التي تربط بين عناصر الجملة.

وحفظ العربية لهذه التعابير والتراكيب التي لا تنضبط للعامل ومقتضياته، هي التي جعلت بعضهم يثور على نظرية العامل في النحو العربي دون توأدة. وهو ما فعله بن مضاء القرطبي قديما. وحاول أن يقتفي أثره، وينفخ في رماده ثلة من الباحثين المحدثين، أمثال إبراهيم مصطفى، وتمام حسان، ومهدي المخزومي، و شوقي ضيف، وأنيس فريحة.[8]

والذي يعاب على هؤلاء المهتمين بالفكر النحوي، هو رفضهم المطلق لنظرية العامل، بل ورفع لواء العداء، والتحريض على هدم ما شيده النحاة قديما، بدعوى وجود تعابير لا تنضبط لمقتضيات الإعمال، وهي تعابير قليلة مقارنة مع ما فسره النحاة إعماليا. والذي ينظر إلى ما خلفه النحاة، يجدهم قد تنبهوا إلى بعض القضايا التركيبية في النحو العربي، لكنهم لم يصرحوا بذلك نظريا، كما فعلوا بالنسبة للنظرية العامل. وحديث النحاة على الحكاية النحوية، ووجودها ضمن أبواب النحو العربي، وحديثهم عن قضية التعليق وشبه الجملة، والمحل، وغير ذلك من المصطلحات النحوية، دليل على تفطن النحاة إلى هذه التراكيب التي تحفظ في العربية، ولا تنضبط لمقتضيات الإعمال. ولهذا يجب التنبه ونحن نتصفح كتب النحاة، إلى التفريق بين عملي التنظير والممارسة النحوية. وإغفال النحاة لبعض القضايا، وعدم التصريح بها نظريا ليس عيبا، بل هو أمر طبيعي تفرضه سنة البحث العلمي. حتى يقوم كل جديد على مخلفات القديم. أما قطع الصلة بالقديم والتحريض عليه دون الإتيان بحجة مبية، فهو ما لا يقول به عاقل.

إن النظرية المثلى التي يجب ألا تغفلها عين الباحث وهو يباشر الفكر النحوي، ويفسر تلك العلاقات التي تربط عناصر الجملة، هي تلك  النظرية التي تمزج بين معيار المعنى والعامل والموقع و التركيب. فالنحاة لم يخرجوا على هذه المعايير وهم يباشرون تفسير اللغة وتعليل العلاقات الكلامية حتى وإن لم يفصحوا عن ذلك نظريا. فالتشبث بمعيار واحد ووحيد، والدفاع عنه، يعطل عجلة البحث البحث العلمي، ويوجه البحث  نحو تحزب الأراء، فيصبح الانتصار للرأي والنفس ما يجعله الباحث نصب عينيه، وبذلك نضل جادة الصواب، ونتنكب بالبحث العلمي عن مساره الصحيح.


[1] ) الكتاب، لسيبويه، ج3، ص327

[2] ) المقتضب، للمبرد،ج4،ص9

[3] ) كشف المشكل، لابن حيدرة،ص50

[4] ) شرح الرضي على الكافية،ج3،ص130

[5] ) المقتضب، للمبرد،ج4،ص10

[6] ) المصدر نفسه،ج3،ص87

[7] ) الأشباه والنظائر،للسيوطي،ج3،ص57

[8] ) نظرية العامل، لوليد عاصف الأنصاري، ص139

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.